جولة في الصورة الفنية لرسم ملامح العويل لصمت لا يسمع...
بقلم الناقدة : رحاب فارس الخطيب

كيف ترسم الصورة العويل لصمت..لا يسمع؟ في جولة هي أقرب لأجواء الأساطير هي جولتنا...
فالمقترب من ديوان الشاعرة أفراح مبارك الصباح الأول يتنقل هنا وهناك يملأ قلبه بالأمل.. واليأس.. والحب.. والكره ..والسعادة وفقدان التعلق بالحياة.. بصيص أمل ينتشله في لحظة أخرى..إذن ديواننا هو ديوان الأضداد والتنقل بين عوالم الزمن تارة والحالات النفسية المتضاربة تارة أخرى.. الكبرياء.. والحب.. والعشق.. والتعالي وعزة النفس ورفض الخضوع والتسليم أحيانا...إذا كيف عبرت الصورة الفنية عن كل تلك وغيرها من تناقضات تعتري النفس، وهذا ما يجسده ديواننا عويل... لصمت ... لا يسمع
استطاعت الصورة الفنية أن تجسد ما أرادته الشاعرة لتبرز المعنى والشعور و الحدث والأمل والطموح والتسليم، فمن خلال الصورة الفنية نجد أنفسنا أمام قصائد معبرة تمثلت كل ذلك بأسلوب استطاع أن يصور ما تريده الشاعرة ..فتوصلنا إلى حيث أرادت بنا الوصول إليه قصيدتها (العتاب يقف مشدوها)
الأغاني بين الغيوم تنتحب لفراق أبطالها ...
تناثرت الحكايات بين هوامش الصحو...
الطريق هو الطريق ...
البيوت هي البيوت ...
والعتاب يقف مشدوها يتأمل مشاكساتنا ...
فتناثر الحكايات بين هوامش الصحو صورة تعبر عن حالة من اللاجدوى رغم كون كل شيء كما هو بين الأشخاص المقربين أو نظنهم مقربين ، أما العتاب والذي جعلته عنوانا للقصيدة يقف مشدوها لهول الموقف الذي يتأمل خلافاتنا .. صور معبرة نلمس من خلالها ألمنا أحيانا والذي يسببه أقرب الناس إلينا .
العتاب يتثاءب...
يتكئ على جسر الأماني ...
ينظر انعكاس خيباته على الماء...
ينظر الوعد البعيد المخضب بشفق عطر...
يتثاءب...
يطيب..
يناااااام ...
فالتثاؤب هنا رمز للملل إلا أن الأماني هناك في البعيد لكنها موجودة... حالة من القهر الممزوج بالأمل لكنه ينتظر وعدا بعيدا بالتغيير إلا أنه مازال يتثاءب وينام...
وفي قصيدة( ضياء ضائع وضنين).. تقول شاعرتنا:
للأوجاع ... مخالب ... وأنياب ...
تقسو علي عند شرودي...
يقضم حدتها نسياني ...
المعاطف المعلقة على الحائط ...
تذكرني بالرحيل المباغت...
رسم دقيق مؤثر لما استخدمته شاعرتنا من كنايات عن الألم وعظمته فاستشعرنا مدى نهش الألم لنتخيل قسوة المعاناة وما ذلك إلا حين تشرد منه فتنقر الذكرى على مسامع الذاكرة لنحياه من جديد .. وهذه صورة غاية في القوة للتعبير عن حدة الألم..
هناك بحث دائم عن أمل بعيد لم يتحقق عبرت عنه كما جاء في قصيدتها:
( ضياء ضائع وحنين)
هناك كوكب ينتظرني بآدميته..
يكفكف هذه الأنهار...
ويمسح التجاعيد الشابة من جبيني ...
هناك سرير مليء بعرائس وردية ...
نسيتها طفولتي ..
الأمل موجود وهذا سر التعلق فلا بد أنه آت ...ليعيد الحياة من جديد ..
وفي قصيدة ( مسرحية )نجد الصورة جلية لتعبر عن طفولة ما زالت تغرس خنجرها في صدر الذكريات لتقول لنا:
أحضن هذا الغياب الذي يزورني كل ليلة ...
كأنه الغيم من بعيد ..
كأنه الأمطار التي أتذكرها
وأنا في حضن أبي ...
عندما نمتطي أحلامنا المستحيلة
ونعدو في مروج لامست حرماننا العتيق
بأيد حفرت مآقينا ..
جنازير الغثاء ..
وتراب اللحود..
هذا الندى على أوراق كتبناها يوما ...
تلك الشهقات التي وأدت أحضاننا...
للغيم وقع عند الشعراء وعند الناس أجمعين فهو رمز للعطاء والخير ..في قصيدتنا مكانه الذكريات البعيدة وهي في حضن أبيها ..وهنا نجد صورة الوالد وتذكره، مشاعر سيطرت على معظم القصائد بما في ذلك المشاعر الدافئة بالأمن.. والراحة.. وعبق الأيام الماضية والتي لم تستطع الشاعرة إخفاء ها في معظم قصائد الديوان لتترك بصمه لا تمحي في الذكريات البعيدة و الحاضرة و المستقبلية فقد تركت في النفس شعورا بالحرمان والجوع إلى دفء حنان الأب الحاني والشهقات والفرح والندى كل ذلك فقد بفقد الأب.
وهذه الصورة نجدها سادلة ستارا من الحزن يلف الديوان معظمه... فالألم تستطيع الأيام أن تخففه وما زال مسيطرا كصفصافة صامدة تراها واقفة وظلها يتلألأ في النهر لا تستطيع إنكاره يجثم فوق الصدر ليزيده ثقلا ... ترفض إبعاده عن مخيلتها فلا تستطيع إلا أن تظل في ذكراه.وفي (( حب مبتور أنفه )) نجد الشاعرة تطلب الراحة فتقول :
استقلال تام ...
افرح أيها القلب المحتل ...
حرية .... وزغاريد لشهادة موت ...
في الأعالي ...
ترقد روحي على غيمة بيضاء ...
أهنئي ... واسكني ...
بعد تيه في دوامات ...
وجه طفولي موسوم بخطوط عرجاء...
يخدش العين حين تلمسه...
ويجرح اليد... شوكة هي ....
مسمار عنيد مغروس في ظفر ملتهب ....
القلب محتل لكن الاستقلال آت لا محالة، وحرية وزغاريد لشهادة موت في الأعالي فالموت هو الحرية وهو الاستقلال وهذه صورة غريبة لتهنئة القلب بها ... والوجه الطفولي هو رمز البراءة و الصفاء لكنه هنا موسوم بخطوط عرجاء .. صورة غريبة لمدى التعب، و الألم لأنها تخدش العين حين تلمسه، فيجرح اليد عند المسمار المغروس في ظفر ملتهب، وهنا نتحسس عمق الألم وشدته لنصرخ متأوهين يا لثقل ألم السنين ... فالحب مبتور أنفه ..
أما في التعبير عن الذات نجد شاعرتنا في قصيدتها غناء أبكم:
((أيها ... الأنت ...
أخاطبك من غناء أبكم ...
من ثنايا الأنين المتصدع ...
المقامات لم تسعف الجروح ...
لذا سوف أنتقي مقام السكون ...
حتى لا تلتهب الأنات...
الغناء تعبير عن المشاعر والإحساسات المختلفة الحزينة والسعيدة الخاضعة والأبية ...لكن الغناء هنا أبكم يأتي من ثنايا الأنين المتصدع وهذه صورة غريبة للتعبير عن مدى عمق الجرح ...كذلك التهاب الأنات صورة غريبة للتعبير عن صوت الألم ليشعرنا بالقهر الجاثم في الأعماق... كل ذلك يضع اليد على الألم متأوهين مبتعدين
عن كل مفرح لكن الشاعرة اختارت في أحايين أخرى البحث عن الأمل في ثنايا القصائد لتقول في قصيدتها (( قلم في كوخ يتألم )) نجد البحث المتواصل عن الأمل الضائع..
قلم رصاص ...
وحيد...
قابع على المكتب ...
يبحث عن أمل ضائع ...
عن حروف يهتز بها ...
وهو وحيد ..
يسمع أغنيات الغربة ...
وهو وحيد...
الممحاة عيونه ...
صورة غريبة للتعبير عن شيء مألوف لا نحس به .. ليصور حالة الوحدة والغربة قلم رصاص وحيد يسمع أغنيات الغربة ... هنا تتجسد الإسقاطات النفسية على القلم ليعبر عن حالة الوحدة و الغربة والبحث عن الأمل الضائع ...لكنه في بحثه عن أمله إيماءة لبصيص أمل عله يتحقق .
( الصمت أبلغ من الكلام )
وتدلت لهاة الانصياع ...
من بين أوراق وأسطر السجان ...
زوايا الفم مطرزة بسلاسل الصمت ...
لا أتكلم ...
فالصمت أبلغ من الكلام ...
ما بين الصمت والبحث عن الأمل طريق سفر طويل لزوايا الفم المطرزة بسلاسل الصمت فالصمت لا يسمع ويبقى العويل للصمت الذي لا يسمع ... كل ذلك وكثيرة هي الصور التي تعبر عن الفكرة والمعنى لتصور أحوالا نفسية ومواقف حياة تتراوح في المد و الجزر هنا وهناك لتخلق أفعالا وآمالا تسيرنا ونسيرها نحو الغد الذي قد يكون مجهولا لنصل إلى جزء نتحمله وجزء يبقى يفرض نفسه علينا لنحيا على أمل
انتظار الغد القادم علّه يكون حافلا بالمسرات ...
ديوان حافل بالصور الفنية الغريبة في معظمها تتجسد فيه خيالاتنا ورؤيانا و أحلامنا في دائرة من الإحساسات المتناقضة التي تعبر عن تناقضات الحياة رغم بساطتها إلا أنها تحمل الأضداد لتكون سر الكون فتكون الحياة .. الماضي والحاضر والمستقبل وهذا هو ديواننا ...عويل لصمت...لا يسمع .




















